فصل: سورة العنكبوت

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 75‏]‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏44‏)‏ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ‏(‏45‏)‏ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏46‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏47‏)‏ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ‏(‏48‏)‏ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏49‏)‏ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏50‏)‏ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏51‏)‏ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ‏(‏53‏)‏ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏54‏)‏ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ‏(‏55‏)‏ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏56‏)‏ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏57‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ‏(‏58‏)‏ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ‏(‏59‏)‏ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏60‏)‏ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ‏(‏61‏)‏ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏62‏)‏ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ‏(‏63‏)‏ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ‏(‏64‏)‏ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏65‏)‏ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏66‏)‏ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ‏(‏67‏)‏ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏68‏)‏ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ‏(‏69‏)‏ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏70‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ‏(‏71‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏72‏)‏ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏73‏)‏ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏74‏)‏ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

مضت قصة موسى عليه السلام بدلالاتها التي وضحت في الدرس الماضي‏.‏ فأما في هذا الدرس فتبدأ التعقيبات عليها؛ ثم يمضي السياق في طريقه على محور السورة الأصيل، يبين أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؛ ويجول مع المشركين الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير‏.‏ يجول معهم جولات شتى في مشاهد الكون، وفي مشاهد الحشر، وفيما هم فيه من الأمر؛ بعد أن يعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود‏.‏ وهو رحمة لهم من العذاب، لو أنهم كانوا يتذكرون‏.‏

والتعقيب الأول على القصة يدور حول دلالتها على صدق دعوى الوحي‏.‏ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم تفصيلات الأحداث كما يقصها شاهد العيان؛ وما كان حاضر أحداثها، ولكنه الوحي يقصها عليه من لدن عليم خبير، رحمة بقومه أن يصيبهم العذاب بما هم فيه من الشرك، ‏{‏فيقولوا‏:‏ ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، وما كنت من الشاهدين‏.‏ ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر‏.‏ وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا؛ ولكنا كنا مرسلين‏.‏ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا؛ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون‏.‏ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم، فيقولوا‏:‏ ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين‏.‏ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا‏:‏ لولا أوتي مثلما أوتي موسى‏!‏ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل‏؟‏ قالوا‏:‏ سحران‏:‏ تظاهرا‏.‏ وقالوا‏:‏ إنا بكل كافرون‏.‏ قل‏:‏ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه‏.‏ إن كنتم صادقين‏.‏ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم‏.‏ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله‏؟‏ إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏.‏ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون‏}‏‏.‏‏.‏

والغربي هو الجانب الغربي للطور الذي جعله الله ميقاتاً مع موسى عليه السلام بعد أجل محدد‏.‏‏.‏ ثلاثين ليلة، أتمها بعشر‏.‏ فكانت أربعين ليلة ‏(‏على ما ذكر في سورة الأعراف‏)‏ وفي هذا الميقات قضي الأمر لموسى في الألواح، لتكون شريعته في بني إسرائيل‏.‏ وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداً لهذا الميقات، حتى يعلم نبأه المفصل، كما ورد في القرآن الكريم‏.‏ وإن بينه وبين هذا الحادث لقروناً من الناس أي أجيالاً متطاولة‏:‏ ‏{‏ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر‏}‏‏.‏ فتلك دلالة على أن الذي نبأه به هو العليم الخبير، الذي يوحي إليه بالقرآن الكريم‏.‏

ولقد تحدث القرآن كذلك بأنباء مدين، ومقام موسى عليه السلام بها وتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان مقيماً في أهل مدين، يتلقى عنهم أخبار هذه الفترة بمثل ذلك التفصيل الذي جاءت فيه‏:‏ ‏{‏ولكنا كنا مرسلين‏}‏ بهذا القرآن وما فيه من أنباء السابقين‏.‏

كذلك صوَّر القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق‏:‏ ‏{‏وما كنت بجانب الطور إذ نادينا‏}‏ وما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم النداء، وما سجل في وقتها تفصيلاته‏.‏ ولكنها رحمة الله بقومه هؤلاء، أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم فيما يدعوهم إليه، لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل، منذ أبيهم إسماعيل‏:‏ ‏{‏لعلهم يتذكرون‏}‏‏.‏‏.‏

فهي رحمة الله بالقوم، وهي حجته كذلك عليهم، كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب فأراد الله أن يقطع حجتهم، وأن يعذر إليهم، وأن يقفهم أمام نفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان‏:‏

‏{‏ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم، فيقولوا‏:‏ ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

كذلك كانوا سيقولون لو لم يأتهم رسول‏.‏ ولو لم يكن مع هذا الرسول من الآيات ما يلزم الحجة‏.‏ ولكنهم حين جاءهم الرسول، ومعه الحق الذي لا مرية فيه لم يتبعوه‏:‏

‏{‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا‏:‏ لولا أوتي مثلما أوتي موسى‏!‏ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل‏؟‏ قالوا‏:‏ سحران تظاهرا، وقالوا‏:‏ إنا بكل كافرون‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا لم يذعنوا للحق، واستمسكوا بالتعلات الباطلة‏:‏ ‏{‏قالوا‏:‏ لولا أوتي مثلما أوتي موسى‏}‏ إما من الخوارق المادية، وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة، وفيها التوراة كاملة‏.‏

ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم، ولا مخلصين في اعتراضهم‏:‏ ‏{‏أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل‏؟‏‏}‏ ولقد كان في الجزيرة يهود، وكان معهم التوراة، فلم يؤمن لهم العرب، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة‏.‏ ولقد علموا أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة، واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق، وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب؛ فلم يذعنوا لهذا كله، وادعوا أن التوراة سحر، وأن القرآن سحر، وأنهما من أجل هذا يتطابقان، ويصدق أحدهما الآخر‏:‏

‏{‏قالوا‏:‏ سحران تظاهرا‏.‏ وقالوا‏:‏ إنا بكل كافرون‏}‏ ‏!‏

فهو المراء إذن واللجاجة، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين، ولا ضعف الدليل‏.‏

ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج‏.‏ يقول لهم‏:‏ إن لم يكن يعجبكم القرآن، ولم تكن تعجبكم التوراة؛ فإن كان عندكم من كتب الله ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه‏:‏

‏{‏قل‏:‏ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه‏.‏ إن كنتم صادقين‏}‏ ‏!‏

وهذه نهاية الإنصاف، وغاية المطاولة بالحجة، فمن لم يجنح إلى الحق بعد هذا فهو ذو الهوى المكابر، الذي لا يستند إلى دليل‏:‏

‏{‏فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم‏.‏ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله‏؟‏ إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

إن الحق في هذا القرآن لبين؛ وإن حجة هذا الدين لواضحة، فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده‏.‏ وإنهما لطريقان لا ثالث لهما‏:‏ إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى، وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم‏.‏ وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق‏.‏ ولا حجة من غموض في العقيدة، أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل‏.‏ كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون‏.‏

‏{‏فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا جزما وقطعا‏.‏ كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها‏.‏‏.‏ إن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين‏.‏ متجنون لا حجة لهم ولا معذرة، متبعون للهوى، معرضون عن الحق الواضح‏:‏

‏{‏ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهم في هذا ظالمون باغون‏:‏

‏{‏إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏.‏‏.‏

إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن، ولم يحيطوا علماً بهذا الدين‏.‏ فما هو إلا أن يصل إليهم، ويعرض عليهم، حتى تقوم الحجة، وينقطع الجدل، وتسقط المعذرة‏.‏ فهو بذاته واضح واضح، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه، ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه، ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله‏.‏ ‏{‏إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏.‏

ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم، وعرضه عليهم، فلم يعد لهم من حجة ولا دليل‏.‏‏.‏

‏{‏ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون‏}‏‏.‏‏.‏

وحين تنتهي هذه الجولة، فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية‏.‏ تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم، وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم‏:‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون؛ وإذا يتلى عليهم قالوا‏:‏ آمنا به، إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبله مسلمين‏.‏ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا، ويدرأون بالحسنة السيئة، ومما رزقناهم ينفقون؛ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا‏:‏ لنا أعمالنا، ولكم أعمالكم، سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين‏}‏‏.‏

قال سعيد بن جبير رضي الله عنه نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم‏:‏ ‏{‏يس والقرآن الحكيم‏}‏ حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا؛ ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏}‏‏.‏‏.‏

وروى محمد بن إسحاق في السيرة‏:‏ «ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريباً من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه، وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة النبي صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن‏.‏ فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره‏.‏ فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام، في نفر من قريش، فقالوا لهم‏:‏ خيبكم الله من ركب‏!‏ بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال‏؟‏ ما نعلم ركباً أحمق منكم‏!‏ فقالوا لهم‏:‏ سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً»‏.‏

قال‏:‏ ويقال‏:‏ إن النفر النصارى من أهل نجران‏.‏ فالله أعلم أي ذلك كان‏.‏ قال‏:‏ ويقال والله أعلم‏:‏ إن فيهم نزلت هذه الآيات‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏.‏‏.‏ إلخ‏}‏‏.‏

قال‏:‏ وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت‏؟‏ قال‏:‏ ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي الله عنه والآيات اللاتي في سورة المائدة‏:‏ ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله ‏{‏فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏ وأياً من كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات، فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع، يعلمونه ولا ينكرونه‏.‏ كي يقفهم وجهاً لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن، وتطمئن إليه، وترى فيه الحق، وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب‏.‏ ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء؛ وتحتمل في سبيل الحق الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء، وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء‏.‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه إحدى الآيات على صحته، فالكتاب كله من عند الله، فهو متطابق، من أوتي أوله عرف الحق في آخره، فاطمأن له، وآمن به، وعلم أنه من عند الله الذي نزل الكتاب كله‏.‏

‏{‏وإذا يتلى عليهم قالوا‏:‏ آمنا به‏.‏ إنه الحق من ربنا‏.‏

إنا كنا من قبله مسلمين‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تلاوته فيعرف الذين عرفوا الحق من قبل أنه من ذلك المعين، وأنه صادر من ذلك المصدر الواحد الذي لا يكذب‏.‏ ‏{‏إنه الحق من ربنا‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏إنا كنا من قبله مسلمين‏}‏‏.‏ والإسلام لله هو دين المؤمنين بكل دين‏.‏

هؤلاء الذين أسلموا لله من قبل، ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه‏:‏

‏{‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏}‏‏.‏‏.‏

الصبر على الإسلام الخالص‏.‏ إسلام القلب والوجه‏.‏ ومغالبة الهوى والشهوة‏.‏ والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة‏.‏ أولئك يؤتون أجرهم مرتين، جزاء على ذلك الصبر، وهو عسير على النفوس، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف‏.‏ وهؤلاء صبروا عليها جميعاً، وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية، وكما يقع دائماً للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان‏:‏

‏{‏ويدرأون بالحسنة السيئة‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا هو الصبر كذلك‏.‏ وهو أشد مؤنة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية‏.‏ إنه الاستعلاء على كبرياء النفس، ورغبتها في دفع السخرية، ورد الأذى، والشفاء من الغيظ، والبرد بالانتقام‏!‏ ثم درجة أخرى بعد ذلك كله‏.‏ درجة السماحة الراضية‏.‏ التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان؛ وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون الله فيرضاهم ويرضونه، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين‏.‏

‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏‏.‏‏.‏

وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان‏.‏ فهما من منبع واحد‏:‏ منبع الاستعلاء على شهوة النفس، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض‏.‏ الأولى في النفس، والثانية في المال‏.‏ وكثيراً ما يردان متلازمين في القرآن‏.‏

وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة‏:‏

‏{‏وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا‏:‏ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏.‏ سلام عليكم‏.‏ لا نبتغي الجاهلين‏}‏‏.‏‏.‏

واللغو فارغ الحديث، الذي لا طائل تحته، ولا حاصل وراءه‏.‏ وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زاداً جديداً، ولا معرفة مفيدة‏.‏ وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان، سواء‏:‏ أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب‏.‏

والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو، ولا تستمع إلى ذاك الهذر، ولا تعنى بهذا البذاء‏.‏ فهي مشغولة بتكاليف الإيمان، مرتفعة بأشواقه، متطهرة بنوره‏:‏

‏{‏وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه‏}‏‏.‏‏.‏

ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله، ولا يدخلون معهم في جدل حوله، لأن الجدل مع أهل اللغو لغو؛ إنما يتركونهم في موادعة وسلام‏.‏

‏{‏وقالوا‏:‏ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏.‏ سلام عليكم‏}‏‏.‏‏.‏

هكذا في أدب، وفي دعاء بالخير، وفي رغبة في الهداية‏.‏‏.‏ مع عدم الرغبة في المشاركة‏:‏

‏{‏لا نبتغي الجاهلين‏}‏‏.‏‏.‏

ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين، ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين‏!‏

إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها‏.‏

تفيض بالترفع عن اللغو‏.‏ كما تفيض بالسماحة والود‏.‏ وترسم لمن يريد أن يتأدب الله طريقه واضحاً لا لبس فيه‏.‏ فلا مشاركة للجهال، ولا مخاصمة لهم، ولا موجدة عليهم، ولا ضيق بهم‏.‏ إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسيء‏.‏

هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول صلى الله عليه وسلم في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم القرآن‏.‏ ووراءه من قومه من جهد جهده ليؤمن؛ ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام‏.‏ فلم يقدر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه‏.‏ وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليهدي من يحب‏.‏ إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان‏.‏‏.‏

‏{‏إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء‏.‏ وهو أعلم بالمهتدين‏}‏‏.‏‏.‏

ورد في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه وينصره، ويقف دونه في وجه قريش، ويحميه حتى يبلغ دعوته، ويحتمل في سبيل ذلك مقاطعة قريش له ولبني هاشم وحصارهم في الشعب‏.‏ ولكنه إنما يفعل ذلك كله حباً لابن أخيه، وحمية وإباء ونخوة‏.‏ فلما حضرته الوفاة دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فلم يكتب الله له هذا، لما يعلمه سبحانه من أمره‏.‏‏.‏

قال الزهري‏:‏ حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه قال‏:‏ لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية ابن المغيرة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا عم قل‏:‏ لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية‏:‏ يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال‏:‏ على ملة عبد المطلب‏.‏ وأبى أن يقول‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى‏}‏‏.‏ وأنزل في أبي طالب‏:‏ ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏(‏أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري‏)‏‏.‏

ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال‏:‏

«لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا عماه‏.‏ قل‏:‏ لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» فقال‏:‏ لولا أن تعيرني بها قريش يقولون‏:‏ ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك‏.‏ لا أقولها إلا لأقر بها عينك «‏.‏ ونزل قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين‏}‏‏.‏

وروى عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب‏.‏ وكان آخر ما قاله‏:‏ هو على ملة عبد المطلب‏.‏

وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذاً بصرامة هذا الدين واستقامته‏.‏ فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه والذائد عنه، لا يكتب الله له الإيمان، على شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة حب رسول الله له أن يؤمن‏.‏ ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة، ولم يقصد إلى العقيدة‏.‏ وقد علم الله هذا منه، فلم يقدر له ما كان يحبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرجوه‏.‏ فأخرج هذا الأمر أمر الهداية من حصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله خاصاً بإرادته سبحانه وتقديره‏.‏ وما على الرسول إلا البلاغ‏.‏ وما على الداعين بعده إلا النصيحة‏.‏ والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن، والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد واستعدادهم للهدى أو الضلال‏.‏

والآن يجيء السياق إلى قولتهم التي قالوها للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين عن اتباعه مخافة أن يفقدوا سلطانهم على قبائل العرب المجاورة، التي تعظم الكعبة، وتدين لسدنتها، وتعظم أصنامها، فتتخطفهم تلك القبائل، أو يتخطفهم أعداؤهم من وراء شبه الجزيرة دون أن تساندهم هذه القبائل‏.‏ فيبين لهم أين يكون الأمن وأين يكون الخوف من واقعهم التاريخي، ومن حاضرهم الذي يشهدونه، بعدما أبان لهم في هذه السورة عن ذلك في قصة موسى وفرعون‏.‏ ويجول معهم جولة في مصارع الغابرين تكشف لهم كذلك عن أسباب الهلاك الحقيقية ممثلة في البطر وقلة الشكر والتكذيب بالرسل والإعراض عن الآيات‏.‏ ثم جولة أخرى أبعد تكشف عن حقيقة القيم وتبدو فيها ضآلة الحياة الدنيا كلها ومتاعها إلى جوار ما عند الله‏.‏

‏{‏وقالوا‏:‏ إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏.‏ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا‏؟‏ ولكن أكثرهم لا يعلمون‏.‏ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين‏.‏ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون‏.‏

وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون‏؟‏ أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إنها النظرة السطحية القريبة، ويغري بهم الأعداء، ويفقدهم العون والنصير، ويعود عليهم بالفقر والبوار‏:‏

‏{‏وقالوا‏:‏ إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏}‏‏.‏‏.‏

فهم لا ينكرون أنه الهدى، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس‏.‏ وهم ينسون الله، وينسون أنه وحده الحافظ، وأنه وحده الحامي؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله‏.‏ ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم للقوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه‏.‏ وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة؛ وأن هذا ليس وهماً وليس قولاً يقال لطمأنة القلوب‏.‏ إنما هو حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه، والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة‏.‏ فالله خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له‏.‏ والذي يتبع هدى الله يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة، ويأوي إلى ركن شديد، في واقع الحياة‏.‏

إن هدى الله منهج حياة صحيحة‏.‏ حياة واقعة في هذه الأرض‏.‏ وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية‏.‏ وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؛ ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة‏.‏ إنما هو يربطهما معاً برباط واحد‏:‏ صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض‏.‏ ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة‏.‏ فالدنيا مزرعة الآخرة، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها‏.‏ بشرط اتباع هدى الله‏.‏ والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه‏.‏

وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة‏.‏ أمانة الخلافة في الأرض تصريف الحياة‏.‏

وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله والسير على هداه‏.‏ يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية‏!‏ وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏}‏‏.‏ فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان‏.‏

وقد رد الله عليهم في وقتها بما يكذب هذا العذر الموهوم‏.‏

فمن الذي وهبهم الأمن‏؟‏ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام‏؟‏ ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعاً‏؟‏ تتجمع في الحرم من كل أرض، وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة‏:‏

‏{‏أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله، والله هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم‏؟‏ أفمن أمنهم وهم عصاة، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة‏؟‏‏!‏

‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة‏.‏ ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله‏.‏

فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقاً، وأن يأمنوا التخطف حقاً، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها‏:‏

‏{‏وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين‏}‏‏.‏‏.‏

إن بطر النعمة، وعدم الشكر عليها، هو سبب هلاك القرى‏.‏ وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن؛ فليحذروا إذن أن يبطروا، وألا يشكروا، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية‏.‏‏.‏ ‏{‏لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً‏}‏‏.‏ وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها‏.‏ وتروي قصة البطر بالنعمة؛ وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحداً، ولم يرثها بعدهم أحد ‏{‏وكنا نحن الوارثين‏}‏‏.‏

على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولاً‏.‏ فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده‏:‏

‏{‏وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون‏}‏‏.‏‏.‏

وحكمة إرسال الرسول في أم القرى أي كبراها أو عاصمتها أن تكون مركزاً تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد‏.‏ وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أم القرى العربية‏.‏ فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير‏.‏ ‏{‏وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون‏}‏‏.‏‏.‏ يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين‏!‏

على أن متاع الحياة الدنيا بكامله، وعرض الحياة الدنيا جميعه، وما مكنهم الله فيه من الأرض، وما وهبهم إياه من الثمرات، وما يتسنى للبشر كلهم طوال هذه الحياة، إن هو إلا شيء ضئيل زهيد، إذا قيس بما عند الله‏:‏

‏{‏وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها‏.‏ وما عند الله خير وأبقى‏.‏ أفلا تعقلون‏؟‏‏}‏‏.‏

وهذا هو التقويم الأخير لا لما يخشون فوته من الأمن والأرض والمتاع وحده؛ ولا لما يمن به الله عليهم من التمكين والثمار والأمان وحده؛ ولا لما وهبه الله للقرى ثم أهلكها بالتبطر فيه وحده‏.‏

إنما هو التقويم الأخير لكل ما في هذه الحياة الدنيا حتى لو ساغ، وحتى لو كمل، وحتى لو دام، فلم يعقبه الهلاك والدمار‏.‏ إنه كله ‏{‏متاع الحياة الدنيا وزينتها‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وما عند الله خير وأبقى‏}‏ خير في طبيعته وأبقى في مدته‏.‏

‏{‏أفلا تعقلون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والمفاضلة بين هذا وذاك تحتاج إلى عقل يدرك طبيعة هذا وذاك‏.‏ ومن ثم يجيء التعقيب في هذه الصيغة للتنبيه لإعمال العقل في الاختيار‏!‏

وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم صفحتي الدنيا والآخرة، ولمن شاء أن يختار‏:‏

‏{‏أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

فهذه صفحة من وعده الله وعداً حسناً فوجده في الآخرة حقاً وهو لا بد لاقيه‏.‏ وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضاراً للحساب‏.‏ والتعبير يوحي بالإكراه ‏{‏من المحضرين‏}‏ الذين يجاء بهم مكرهين خائفين يودون أن لم يكونوا محضرين، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد‏!‏

وتلك نهاية المطاف في الرد على مقالتهم‏:‏ ‏{‏إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏}‏ فحتى لو كان ذلك كذلك فهو خير من أن يكونوا في الآخرة من المحضرين‏!‏ فكيف واتباع هدى الله معه الأمن في الدنيا والتمكين، ومعه العطاء في الآخرة والأمان‏؟‏ ألا إنه لا يترك هدى الله إذن إلا الغافلون الذين لا يدركون حقيقة القوى في هذا الكون‏.‏ ولا يعرفون أين تكون المخافة وأين يكون الأمن‏.‏ وإلا الخاسرون الذين لا يحسنون الاختيار لأنفسهم ولا يتقون البوار‏.‏

وعندما يصل بهم إلى الشاطئ الآخر يجول بهم جولة أخرى في مشهد من مشاهد القيامة، يصور مغبة ما هم فيه من الشرك والغواية‏:‏

‏{‏ويوم يناديهم فيقول‏:‏ أين شركائي الذين كنتم تزعمون‏؟‏ قال الذين حق عليهم القول‏:‏ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون‏.‏ وقيل‏:‏ ادعوا شركاءكم‏.‏ فدعوهم فلو يستجيبوا لهم، ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون‏}‏‏.‏ ‏{‏ويوم يناديهم فيقول‏:‏ ماذا أجبتم المرسلين‏؟‏ فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون‏.‏ فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً، فعسى أن يكون من المفلحين‏}‏‏.‏‏.‏

والسؤال الأول للتوبيخ والتأنيب‏:‏

‏{‏أين شركائي الذين كنتم تزعمون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والله يعلم أن لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء، وأن أتباعهم لا يعلمون عنهم شيئاً، ولا يستطيعون إليهم سبيلاً‏.‏ ولكنه الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد‏.‏

ومن ثم لا يجيب المسؤولون عن السؤال، فليس المقصود به هو الجواب‏!‏ إنما يحاولون أن يتبرأوا من جريرة إغوائهم لمن وراءهم، وصدهم عن هدى الله، كما كان يفعل كبراء قريش مع الناس خلفهم، فيقولون‏:‏

‏{‏ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا؛ تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون‏}‏ ‏!‏

ربنا إننا لم نغوهم قسراً، فما كان لنا من سلطان على قلوبهم؛ إنما هم وقعوا في الغواية عن رضى منهم واخيتار، كما وقعنا نحن في الغواية دون إجبار‏.‏

‏{‏تبرأنا إليك‏}‏ من جريمة إغوائهم‏.‏ ‏{‏ما كانوا إيانا يعبدون‏}‏ إنما كانوا يعبدون أصناماً وأوثاناً وخلقاً من خلقك، ولم نجعل أنفسنا لهم آلهة، ولم يتوجهوا إلينا نحن بالعبادة‏!‏

عندئذ يعود بهم إلى المخزاة التي حولوا الحديث عنها‏.‏ مخزاة الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله‏:‏

‏{‏وقيل‏:‏ ادعوا شركاءكم‏}‏‏.‏‏.‏

ادعوهم ولا تهربوا من سيرتهم‏!‏ ادعوهم ليلبوكم وينقذوكم‏!‏ ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم‏!‏ والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم، ولكنهم يطيعون الأمر مقهورين‏:‏

‏{‏فدعوهم فلم يستجيبوا لهم‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏

ولم يكن منتظراً غير ذاك، ولكنه الإذلال والإعنات‏!‏

‏{‏ورأوا العذاب‏}‏‏.‏‏.‏

رأوه في هذا الحوار‏.‏ ورأوه ماثلاً وراءه‏.‏ فليس وراء هذا الموقف إلا العذاب‏.‏

وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يرفضونه، وهو أمنية المتمني في ذلك الموقف المكروب‏:‏ وهو بين أيديهم في الدنيا لو أنهم إليه يسارعون‏:‏

‏{‏لو أنهم كانوا يهتدون‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يعود بهم إلى ذلك المشهد المكروب‏:‏

‏{‏ويوم يناديهم فيقول، ماذا أجبتم المرسلين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وإن الله ليعلم ماذا أجابوا المرسلين‏.‏ ولكنه كذلك سؤال التأنيب والترذيل‏.‏ وإنهم ليواجهون السؤال بالذهول والصمت‏.‏ ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول‏:‏

‏{‏فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون‏}‏‏.‏

والتعبير يلقي ظل العمى على المشهد والحركة‏.‏ وكأنما الأنباء عمياء لا تصل إليهم، وهم لا يعلمون شيئاً عن أي شيء‏!‏ ولا يملكون سؤالاً ولا جواباً‏.‏ وهم في ذهولهم صامتون ساكتون‏!‏

‏{‏فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه هي الصفحة المقابلة‏.‏ ففي الوقت الذي يبلغ الكرب ذروته بالمشركين، يتحدث عمن تاب وآمن وعمل صالحاً، وما ينتظره من الرجاء في الفلاح‏.‏ ولمن شاء أن يختار‏.‏ وفي الوقت فسحة للاختيار‏!‏

ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة الله واختياره؛ فهو الذي يخلق كل شيء، ويعلم كل شيء، وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب‏.‏ وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم، فالله يخلق ما يشاء ويختار‏:‏

‏{‏وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون‏.‏ وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏.‏ وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم‏:‏ ‏{‏إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا‏}‏ وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية‏.‏‏.‏ يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة‏!‏ ولتقرير وحدانية الله ورد الأمر كله إليه في النهاية‏.‏

‏{‏وربك يخلق ما يشاء ويختار‏.‏ ما كان لهم الخيرة‏}‏‏.‏‏.‏

إنها الحقيقة التي كثيراً ما ينساها الناس، أو ينسون بعض جوانبها‏.‏ إن الله يخلق ما يشاء؛ لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئاً ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئاً، ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئاً‏.‏ وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصاً ولا حادثاً ولا حركة ولا قولاً ولا فعلاً‏.‏‏.‏ ‏{‏ما كان لهم الخيرة‏}‏ لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم، ومرد الأمر كله إلى الله في الصغير والكبير‏.‏‏.‏

هذه الحقيقة لو استقرت في الأخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئاً يحل بهم، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم‏.‏ فليسوا هم الذين يختارون، إنما الله هو الذي يختار‏.‏

وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم‏.‏ ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار بالرضى والتسليم والقبول‏.‏ فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك لله‏.‏

ولقد كان المشركون يشركون مع الله آلهة مدعاة؛ والله وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره‏.‏‏.‏

‏{‏سبحان الله وتعالى عما يشركون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏}‏‏.‏‏.‏

فهو مجازيهم بما يعلم من أمرهم، مختار لهم ما هم له أهل، من هدى أو ضلال‏.‏

‏{‏وهو الله لا إله إلا هو‏}‏‏.‏‏.‏ فلا شريك له في خلق ولا اختيار‏.‏

‏{‏له الحمد في الأولى والآخرة‏}‏‏.‏‏.‏ على اختياره، وعلى نعمائه، وعلى حكمته وتدبيره، وعلى عدله ورحمته، وهو وحده المختص بالحمد والثناء‏.‏

‏{‏وله الحكم‏}‏‏.‏‏.‏ يقضي في عباده بقضائه، لا راد له ولا مبدل لحكمه‏.‏

‏{‏وإليه ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏ فيقضي بينكم قضاءه الأخير‏.‏‏.‏‏.‏

وهكذا يطوقهم بالشعور بقدرة الله وتفرد إرادته في هذا الوجود واطلاعه على سرهم وعلانتيهم فلا تخفى عليه منهم خافية؛ وإليه مرجعهم فلا تشرد منهم شاردة‏.‏ فكيف يشركون بالله بعد هذا وهم في قبضته لا يفلتون‏؟‏

ثم يجول بهم جولة في مشاهد الكون الذي يعيشون فيه غافلين عن تدبير الله لهم، واختياره لحياتهم ومعاشهم؛ فيوقظ مشاعرهم لظاهرتين كونيتين عظيمتين‏.‏ ظاهرتي الليل والنهار، وما وراءهما من أسرار الاختيار والشهادة بوحدانية الخالق المختار‏:‏

‏{‏قل‏:‏ أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء‏؟‏ أفلا تسمعون‏؟‏ قل‏:‏ أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه‏؟‏ أفلا تبصرون‏؟‏ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون‏}‏‏.‏‏.‏

والناس لطول ما اعتادوا من كر الجديدين ينسون جدتهما المتكررة التي لا تبلى‏.‏

ولا يروعهم مطلع الشمس ولا مغيبها إلا قليلاً‏.‏ ولا يهزهم طلوع النهار وإقبال الليل إلا نادراً‏.‏ ولا يتدبرون ما في تواليهما من رحمة بهم وإنقاذ من البلى والدمار، أو التعطل والبوار، أو الملل والهمود‏.‏

والقرآن الكريم يوقظهم من همود الإلف والعادة، ويلفتهم إلى تملي الكون من حولهم ومشاهده العظيمة؛ وذلك حين يخيل إليهم استمرار الليل أبداً أو النهار أبداً، وحين يخيفهم من عواقب هذا وذاك‏.‏ وما يشعر الإنسان بقيمة الشيء إلا حين يفقده أو يخاف عليه الفقدان‏.‏

‏{‏قل‏:‏ أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة‏.‏ من إله غير الله يأتيكم بضياء‏؟‏ أفلا تسمعون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والناس يشتاقون إلى الصبح حين يطول بهم الليل قليلاً في أيام الشتاء، ويحنون إلى ضياء الشمس حين تتوارى عنهم فترة وراء السحاب‏!‏ فكيف بهم لو فقدوا الضياء‏.‏ ولو دام عليهم الليل سرمداً إلى يوم القيامة‏؟‏ ذلك على فرض أنهم ظلوا أحياء‏.‏ وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار، لو لم يطلع عليها النهار‏!‏

‏{‏قل‏:‏ أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة‏.‏ من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه‏؟‏ أفلا تبصرون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والناس يستروحون الظلال حين يطول عليهم الهجير ساعات من النهار‏.‏ ويحنون إلى الليل حين يطول النهار بعض ساعات في الصيف‏.‏ ويجدون في ظلام الليل وسكونه الملجأ والقرار‏.‏ والحياة كلها تحتاج إلى فترة الليل لتجدد ما تنفقه من الطاقة في نشاط النهار‏.‏ فكيف بالناس لو ظل النهار سرمداً إلى يوم القيامة على فرض أنهم ظلوا أحياء‏.‏ وإن الحياة كلها لمعرضة للتلف والبوار إن دام عليها النهار‏!‏

ألا إن كل شيء بقدر‏.‏ وكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون بتدبير‏.‏ وكل شيء عنده بمقدار‏:‏

‏{‏ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون‏}‏‏.‏‏.‏

فالليل سكينة وقرار، والنهار نشاط وعمل، والمتجه فيه إلى فضل الله‏.‏ فما يعطي الناس شيئاً إلا من فضله ‏{‏ولعلكم تشكرون‏}‏ ما يسره الله لكم من نعمة ومن رحمة، وما دبره لكم واختاره من توالي الليل والنهار، ومن كل سنن الحياة التي لم تختاروها، ولكن اختارها الله عن رحمة وعن علم وعن حكمة تغفلون عنها لطول الإلف والتكرار‏.‏

ويختم هذه الجولات بمشهد سريع من مشاهد القيامة يسألهم فيه سؤال استنكار عما زعموا من شركاء‏.‏ ويقفهم وجهاً لوجه أمام أباطيلهم المدعاة، حيث تتذاوب وتتهاوى في موقف السؤال والحساب‏:‏

‏{‏ويوم يناديهم فيقول‏:‏ أين شركائي الذين كنتم تزعمون‏؟‏ ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا‏:‏ هاتوا برهانكم‏.‏ فعلموا أن الحق لله، وضل عنهم ما كانوا يفترون‏}‏‏.‏‏.‏

وتصوير يوم النداء، وما فيه من سؤال عن الشركاء، قد سبق في جولة ماضية‏.‏ فهو يعاد هنا لتوكيده وتثبيته بمناسبة المشهد الجديد الذي يعرض هنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 84‏]‏

‏{‏إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ‏(‏76‏)‏ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏77‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏78‏)‏ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ‏(‏79‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ‏(‏80‏)‏ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ‏(‏81‏)‏ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ‏(‏82‏)‏ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏83‏)‏ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

مضت مطالع السورة بقصة موسى وفرعون، وقد عرضت فيها قوة السلطان والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم، والكفران بالله، والبعد عن هداه‏.‏ والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر، والاستكبار على الخلق وجحود نعمة الخالق‏.‏ وتقرر حقيقة القيم، فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح؛ مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد‏.‏

ولا يحدد القرآن زمان القصة ولا مكانها؛ إنما يكتفي بأن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم‏.‏ فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج‏؟‏ أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى‏؟‏ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى‏؟‏ هناك روايات تقول‏:‏ إنه كان ابن عم لموسى عليه السلام وأن الحادث وقع في زمان موسى‏.‏ ويزيد بعضها فيذكر أن قارون آذى موسى، ودبر له مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة بامرأة معينة في مقابل رشوة من المال، فبرأ الله موسى وأذن له في قارون، فخسفت به الأرض‏.‏‏.‏

ولسنا في حاجة إلى كل هذه الروايات، ولا إلى تحديد الزمان والمكان‏.‏ فالقصة كما وردت في القرآن كافية لأداء الغرض منها في سياق السورة، ولتقرير القيم والقواعد التي جاءت لتقريرها‏.‏ ولو كان تحديد زمانها ومكانها وملابساتها يزيد في دلالتها شيئاً ما ترك تحديدها‏.‏ فلنستعرضها إذن في صورتها القرآنية، بعيدة عن تلك الروايات التي لا طائل وراءها‏.‏‏.‏

‏{‏إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم؛ وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة‏.‏ إذ قال له قومه‏:‏ لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين‏.‏ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين‏.‏ قال‏:‏ إنما أوتيته على علم عندي‏}‏‏.‏‏.‏

هكذا تبدأ القصة فتعين اسم بطلها ‏{‏قارون‏}‏ وتحدد قومه ‏{‏قوم موسى‏}‏ وتقرر مسلكه مع قومه، وهو مسلك البغي ‏{‏فبغى عليهم‏}‏ وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء‏:‏

‏{‏وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة‏}‏‏.‏‏.‏

ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس‏.‏

لقد كان قارون من قوم موسى، فآتاه الله مالاً كثيراً، يصور كثرته بأنه كنوز والكنز هو المخبوء المدخر من المال الفائض عن الاستعمال والتداول وبأن مفاتح هذه الكنوز تعيي المجموعة من أقوياء الرجال‏.‏‏.‏ من أجل هذا بغى قارون على قومه‏.‏ ولا يذكر فيم كان البغي، ليدعه مجهلاً يشمل شتى الصور‏.‏ فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال‏.‏

حق الفقراء في أموال الأغنياء، كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ومن حولهم محاويج إلى شيء منه، فتفسد القلوب، وتفسد الحياة‏.‏ وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب‏.‏

وعلى أية حال فقد وجد من قومه من يحاول رده عن هذا البغي، ورجعه إلى النهج القويم، الذي يرضاه الله في التصرف بهذا الثراء؛ وهو نهج لا يحرم الأثرياء ثراءهم؛ ولا يحرمهم المتاع المعتدل بما وهبهم الله من مال؛ ولكنه يفرض عليهم القصد والاعتدال؛ وقبل ذلك يفرض عليهم مراقبة الله الذي أنعم عليهم، ومراعاة الآخرة وما فيها من حساب‏:‏

‏{‏إذ قال له قومه‏:‏ لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين‏.‏ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض‏.‏ إن الله لا يحب المفسدين‏}‏‏.‏

وفي هذا القول جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة‏.‏

‏{‏لا تفرح‏}‏‏.‏‏.‏ فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ‏.‏‏.‏ لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال؛ وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران‏.‏ لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه؛ ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد‏.‏‏.‏

‏{‏إن الله لا يحب الفرحين‏}‏‏.‏‏.‏ فهم يردونه بذلك إلى الله، الذي لا يحب الفرحين المأخوذين بالمال، المتباهين، المتطاولين بسلطانه على الناس‏.‏

‏{‏وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا‏}‏‏.‏‏.‏ وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم‏.‏ المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة‏.‏ ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة‏.‏ بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفاً، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها‏.‏

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس؛ وليعلموا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض‏.‏ ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها‏.‏ والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها‏.‏ فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى‏.‏

وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة‏.‏

‏{‏وأحسن كما أحسن الله إليك‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا المال هبة من الله وإحسان‏.‏ فليقابل بالإحسان فيه‏.‏ إحسان التقبل وإحسان التصرف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكران‏.‏

‏{‏ولا تبغ الفساد في الأرض‏}‏‏.‏‏.‏ الفساد بالبغي والظلم‏.‏ والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة‏.‏ والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء‏.‏ والفساد بإنفاق المال في غير وجهه أو إمساكه عن وجهه على كل حال‏.‏

‏{‏إن الله لا يحب المفسدين‏}‏‏.‏‏.‏ كما أنه لا يحب الفرحين‏.‏

كذلك قال له قومه‏:‏ فكان رده جملة واحدة، تحمل شتى معاني الفساد والإفساد‏:‏

‏{‏قال‏:‏ إنما أوتيته على علم عندي‏}‏ ‏!‏

إنما أوتيت هذا المال استحقاقاً على علمي الذي طوع لي جمعه وتحصيله‏.‏ فما لكم تملون عليَّ طريقة خاصة في التصرف فيه، وتتحكمون في ملكيتي الخاصة، وأنا إنما حصلت هذا المال بجهدي الخاص، واستحققته بعلمي الخاص‏؟‏

إنها قولة المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها، ويفتنه المال ويعميه الثراء‏.‏

وهو نموذج مكرر في البشرية‏.‏ فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه‏.‏ ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حساباً، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه‏!‏

والإسلام يعترف بالملكية الفردية، ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها؛ ولا يهون من شأن الجهد الفردي أو يلغيه‏.‏ ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجاً معيناً للتصرف في الملكية الفردية كما يفرض منهجاً لتحصيلها وتنميتها وهو منهج متوازن متعادل، لا يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف ولا في إمساكه حتى التقتير؛ ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال، ورقابتها على طرق تحصيله، وطرق تنميته‏.‏ وطرق إنفاقه والاستمتاع به‏.‏ وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات‏.‏

ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم‏.‏ وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم‏.‏

ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية، رداً على قولته الفاجرة المغرورة‏:‏

‏{‏أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً‏؟‏ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون‏}‏‏.‏

فإن كان ذا قوة وذا مال، فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشد منه قوة وأكثر مالاً‏.‏ وكان عليه أن يعلم هذا‏.‏ فهذا هو العلم المنجي‏.‏ فليعلم‏.‏ وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم‏.‏ فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد‏!‏

‏{‏ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون‏}‏ ‏!‏

ذلك كان المشهد الأول من مشاهد القصة، يتجلى فيه البغي والتطاول، والإعراض عن النصح، والتعالي على العظة، والإصرار على الفساد، والاغترار بالمال، والبطر الذي يقعد بالنفس عن الشكران‏.‏

ثم يجيء المشهد الثاني حين يخرج قارون بزينته على قومه، فتطير لها قلوب فريق منهم، وتتهاوى لها نفوسهم، ويتمنون لأنفسهم مثل ما أوتي قارون، ويحسون أنه أوتي حظاً عظيماً يتشهاه المحرومون‏.‏

ذلك على حين يستيقظ الإيمان في قلوب فريق منهم فيعتزون به على فتنة المال وزينة قارون، ويذكرون إخوانهم المبهورين المأخوذين، في ثقة وفي يقين‏:‏

‏{‏فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا‏:‏ يا ليت لنا مثلما أوتي قارون‏.‏ إنه لذو حظ عظيم‏.‏ وقال الذين أوتوا العلم‏:‏ ويلكم‏!‏ ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون‏}‏‏.‏

وهكذا وقفت طائفة منهم أمام فتنة الحياة الدنيا وقفة المأخوذ المبهور المتهاوي المتهافت، ووقفت طائفة أخرى تستعلي على هذا كله بقيمة الإيمان، والرجاء فيما عند الله، والاعتزاز بثواب الله‏.‏ والتقت قيمة المال وقيمة الإيمان في الميزان‏:‏

‏{‏قال الذين يريدون الحياة الدنيا‏:‏ يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون‏.‏ إنه لذو حظ عظيم‏}‏‏.‏‏.‏

وفي كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب، وتبهر الذين يريدون الحياة الدينا، ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها؛ فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته‏؟‏ ولا بأي الوسائل نال ما نال من عرض الحياة‏؟‏ من مال أو منصب أو جاه‏.‏ ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى، كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى‏!‏ ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع، غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه، ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه، ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها‏.‏

فأما المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيم الحياة، وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع‏.‏ وهم أعلى نفساً، وأكبر قلباً من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعاً‏.‏ ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد‏.‏ وهؤلاء هم ‏{‏الذين أوتوا العلم‏}‏‏.‏ العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم‏:‏

‏{‏وقال الذين أوتوا العلم‏:‏ ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يلقاها إلا الصابرون‏}‏‏.‏

ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون‏.‏ والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقاها إلا الصابرون‏.‏‏.‏ الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم‏.‏ الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها‏.‏ الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون‏.‏ وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة‏.‏ درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض، والتطلع إلى ثواب الله في رضى وثقة واطمئنان‏.‏

وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل يد القدرة لتضع حداً للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطماً‏.‏ ويجيء المشهد الثالث حاسماً فاصلاً‏:‏

‏{‏فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين‏}‏‏.‏‏.‏

هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة‏:‏ ‏{‏فخسفنا به وبداره الأرض‏}‏ فابتلعته وابتلعت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 88‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏85‏)‏ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ‏(‏86‏)‏ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏87‏)‏ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏88‏)‏‏}‏

والآن وقد انتهى القصص وانتهت التعقيبات المباشرة على ذلك القصص‏.‏ الآن يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة‏.‏ يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخرج من بلده، مطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريباً من مكة، قريبا من الخطر، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه، لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه، ومهد ذكرياته، ومقر أهله‏.‏ يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقفه ذاك‏:‏

‏{‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏}‏‏.‏‏.‏

فما هو بتاركك للمشركين، وقد فرض عليك القرآن وكلفك الدعوة‏.‏ ما هو بتاركك للمشركين يخرجونك من بلدك الحبيب إليك، ويستبدون بك وبدعوتك، ويفتنون المؤمنين من حولك‏.‏ إنما فرض عليك القرآن لينصرك به في الموعد الذي قدره، وفي الوقت الذي فرضه؛ وإنك اليوم لمخرج منه مطارد، ولكنك غداً منصور إليه عائد‏.‏

وهكذا شاءت حكمة الله أن ينزل على عبده هذا الوعد الأكيد في ذلك الظرف المكروب، ليمضي صلى الله عليه وسلم في طريقه آمناً واثقاً، مطمئناً إلى وعد الله الذي يعلم صدقه، ولا يستريب لحظة فيه‏.‏

وإن وعد الله لقائم لكل السالكين في الطريق؛ وإنه ما من أحد يؤذى في سبيل الله، فيصبر ويستيقن إلا نصره الله في وجه الطغيان في النهاية، وتولى عنه المعركة حين يبذل ما في وسعه، ويخلي عاتقه، ويؤدي واجبه‏.‏

‏{‏إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد‏}‏‏.‏ ولقد رد موسى من قبل إلى الأرض التي خرج منها هارباً مطارداً‏.‏ رده فأنقذ به المستضعفين من قومه، ودمر به فرعون وملأه، وكانت العاقبة للمهتدين‏.‏‏.‏ فامض إذن في طريقك، ودع أمر الحكم فيما بينك وبين قومك لله الذي فرض عليك القرآن‏:‏

‏{‏قل‏:‏ ربي أعلم من جاء بالهدى، ومن هو في ضلال مبين‏}‏‏.‏‏.‏

ودع الأمر لله يجازي المهتدين والضالين‏.‏

وما كان فرض القرآن عليك إلا نعمة ورحمة؛ وما كان يجول في خاطرك أن تكون أنت المختار لتلقي هذه الأمانة‏.‏ وإنه لمقام عظيم ما كنت تتطلع إليه قبل أن توهبه‏:‏

‏{‏وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك‏}‏‏.‏‏.‏

وهو تقرير قاطع عن عدم تطلع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرسالة؛ إنما هو اختيار الله‏.‏ والله يخلق ما يشاء ويختار، فذلك الأفق أعلى من أن يفكر فيه بشر قبل أن يختاره الله له ويؤهله ليرقاه‏.‏

وهو رحمة من الله بنبيه وبالبشرية التي اختاره لهدايتها بهذه الرسالة‏.‏ رحمة توهب للمختارين لا للمتطلعين‏.‏ ولقد كان من حوله كثيرون في العرب وفي بني إسرائيل يتطلعون إلى الرسالة المنتظرة في آخر الزمان‏.‏ ولكن الله وهو أعلم حيث يجعل رسالته قد اختار لها من لم يتطلّع إليها ولم يرجها، من دون أولئك الطامعين المتطلعين، حينما علم منه الاستعداد لتلقِّي ذلك الفيض العظيم‏.‏

ومن ثم يأمره ربه بما أنعم عليه بهذا الكتاب ألا يكون ظهيراً للكافرين؛ ويحذره أن يصدوه عن آيات الله؛ ويمحض له عقيدة التوحيد خالصة في وجه الشرك والمشركين‏.‏

‏{‏فلا تكونن ظهيراً للكافرين؛ ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك؛ وادع إلى ربك، ولا تكونن من المشركين‏.‏ ولا تدع مع الله إلهاً آخر، لا إله إلا هو‏.‏ كل شيء هالك إلا وجهه‏.‏ له الحكم وإليه ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏

إنه الإيقاع الأخير في السورة، يفصل ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقه وما بين الكفر والشرك وطريقه‏.‏ ويبين لأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقهم إلى يوم القيامة‏.‏‏.‏ الإيقاع الأخير ورسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته الفاصلة بين عهدين متميزين من عهود التاريخ‏.‏

‏{‏فلا تكونن ظهيراً للكافرين‏}‏‏.‏‏.‏ فما يمكن أن يكون هناك تناصر أو تعاون بين المؤمنين والكافرين‏.‏ وطريقاهما مختلفان، ومنهجاهما مختلفان‏.‏ أولئك حزب الله، وهؤلاء حزب الشيطان‏.‏ فعلام يتعاونان‏؟‏ وفيم يتعاونان‏؟‏

‏{‏ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك‏}‏‏.‏‏.‏ فطريق الكفار دائماً أن يصدوا أصحاب الدعوة عن دعوتهم بشتى الطرق والوسائل‏.‏ وطريق المؤمنين أن يمضوا في طريقهم لا يلويهم عنها المعوقون، ولا يصدهم عنها أعداؤهم‏.‏ وبين أيديهم آيات الله، وهم عليها مؤتمنون‏.‏

‏{‏وادع إلى ربك‏}‏‏.‏‏.‏ دعوة خالصة واضحة لا لبس فيها ولا غموض‏.‏ دعوة إلى الله لا لقومية ولا لعصبية، ولا لأرض ولا لراية‏.‏ ولا لمصلحة ولا لمغنم، ولا لتمليق هوى، ولا لتحقيق شهوة‏.‏ ومن شاء أن يتبع هذه الدعوة على تجردها فليتبعها‏.‏ ومن أراد غيرها معها فليس هذا هو الطريق‏.‏

‏{‏ولا تكونن من المشركين‏.‏ ولا تدع مع الله إلهاً آخر‏}‏ يؤكد هذه القاعدة مرتين بالنهي عن الشرك والنهي عن اتخاذ إله آخر مع الله‏.‏ ذلك أنها مفرق الطريق في العقيدة بين النصاعة والغموض‏.‏ وعلى هذه القاعدة يقوم بناء هذه العقيدة كلها، وآدابها وأخلاقها وتكاليفها وتشريعاتها جميعاً‏.‏ وهي المحور الذي يلتف عليه كل توجيه وكل تشريع‏.‏ ومن ثم هي تذكر قبل كل توجيه وقبل كل تشريع‏.‏

ثم يمضي في التوكيد والتقرير‏:‏

‏{‏لا إله إلا هو‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏كل شيء هالك إلا وجهه‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏له الحكم‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏‏.‏‏.‏

‏{‏لا إله إلا هو‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ فلا إسلام إلا لله، ولا عبودية إلا له، ولا قوة إلا قوته، ولا ملاذ إلا حماه‏.‏

سورة العنكبوت

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 13‏]‏

‏{‏الم ‏(‏1‏)‏ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ‏(‏2‏)‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ‏(‏3‏)‏ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏4‏)‏ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏5‏)‏ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏7‏)‏ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ‏(‏9‏)‏ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ‏(‏11‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏12‏)‏ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

سورة العنكبوت مكية‏.‏ وقد ذكرت بعض الروايات أن الإحدى عشرة آية الأولى مدنية‏.‏ وذلك لذكر «الجهاد» فيها وذكر «المنافقين»‏.‏‏.‏‏.‏ ولكننا نرجح أن السورة كلها مكية‏.‏ وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص كما سيجيء‏.‏ وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال‏.‏ وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية‏.‏ لذلك نرجح مكية الآيات كلها‏.‏ أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير‏.‏ لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة‏.‏ أي جهاد النفس لتصبر ولا تفتن‏.‏ وهذا واضح في السياق‏.‏ وكذلك ذكر النفاق فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس‏.‏

والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام‏.‏

إنها تبدأ بعد الحروف المقطعة بالحديث عن الإيمان والفتنة؛ وعن تكاليف الإيمان الحقة التي تكشف عن معدنه في النفوس‏.‏ فليس الإيمان كلمة تقال باللسان، إنما هو الصبر على المكاره والتكاليف في طريق هذه الكلمة المحفوفة بالمكاره والتكاليف‏.‏

ويكاد هذا أن يكون محور السورة وموضوعها؛ فإن سياقها يمضي بعد ذلك المطلع يستعرض قصص نوح وإبراهيم ولوط وشعيب، وقصص عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، استعراضاً سريعاً يصور ألواناً من العقبات والفتن في طريق الدعوة إلى الإيمان‏.‏ على امتداد الأجيال‏.‏

ثم يعقب على هذا القصص وما تكشف فيه من قوى مرصودة في وجه الحق والهدى، بالتصغير من قيمة هذه القوى والتهوين من شأنها، وقد أخذها الله جميعاً‏:‏

‏{‏فكلاً أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا‏}‏ ويضرب لهذه القوى كلها مثلاً مصوراً يجسم وهنها وتفاهتها‏:‏

‏{‏مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون‏}‏ ويربط بعد ذلك بين الحق الذي في تلك الدعوات والحق الذي في خلق السماوات والأرض؛ ثم يوحد بين تلك الدعوات جميعاً ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم فكلها من عند الله‏.‏ وكلها دعوة واحدة إلى الله‏.‏ ومن ثم يمضي في الحديث عن الكتاب الأخير وعن استقبال المشركين له؛ وهم يطلبون الخوارق غير مكتفين بهذا الكتاب وما فيه من رحمة وذكرى لقوم يؤمنون‏.‏ ويستعجلون بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين‏.‏ ويتناقضون في منطقهم‏:‏ ‏{‏ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله‏!‏‏}‏ ‏{‏ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحياء به الأرض بعد موتها ليقولن الله‏!‏‏}‏ ‏{‏فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين‏}‏ ولكنهم مع هذا كله يشركون بالله ويفتنون المؤمنين‏.‏

وفي ثنايا هذا الجدل يدعو المؤمنين إلى الهجرة فراراً بدينهم من الفتنة، غير خائفين من الموت، إذ

‏{‏كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون‏}‏ غير خائفين من فوات الرزق‏:‏ ‏{‏وكأي من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم‏}‏ ويختم السورة بتمجيد المجاهدين في الله وطمأنتهم على الهدى وتثبيتهم‏:‏ ‏{‏والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين‏}‏ فيلتئم الختام مع المطلع وتتضح حكمة السياق في السورة، وتماسك حلقاتها بين المطلع والختام، حول محورها الأول وموضوعها الأصيل‏.‏

ويمضي سياق السورة حول ذلك المحور الواحد في ثلاثة أشواط‏:‏

الشوط الأول يتناول حقيقة الإيمان، وسنة الابتلاء والفتنة، ومصير المؤمنين والمنافقين والكافرين‏.‏ ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئاً يوم القيامة‏:‏ ‏{‏وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون‏}‏ والشوط الثاني يتناول القصص الذي أشرنا إليه، وما يصوره من فتن وعقبات في طريق الدعوات والدعاة، والتهوين من شأنها في النهاية حين تقاس إلى قوة الله‏.‏ ويتحدث عن الحق الكامن في دعوة الرسل، وهو ذاته الحق الكامن في خلق السماوات والأرض‏.‏ وكله من عند الله‏.‏

والشوط الثالث يتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى‏.‏ إلا الذين ظلموا منهم‏.‏ وعن وحدة الدين كله، واتحاده مع هذا الدين الأخير الذي يجحد به الكافرون، ويجادل فيه المشركون‏.‏ ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في الله المهديين إلى سبل الله‏:‏ ‏{‏وإن الله لمع المحسنين‏}‏ ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته‏.‏ تهز الوجدان هزاً‏.‏ وتقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة جد صارم؛ فإما النهوض بها وإما النكوص عنها‏.‏ وإلا فهو النفاق الذي يفضحه الله‏.‏

وهي إيقاعات لا سبيل إلى تصويرها بغير النصوص القرآنية التي وردت فيها‏.‏ فنكتفي بالإشارة إليها هنا حتى نستعرضها في موضعها مع السياق‏.‏

ألف‏.‏ لام‏.‏ ميم‏}‏‏.‏‏.‏

الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أنها مادة الكتاب الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مؤلفاً من مثل هذه الحروف، المألوفة للقوم، الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاؤون من القول؛ ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب‏.‏ لأنه من صنع الله لا من صنع إنسان‏.‏

وقد قلنا من قبل‏:‏ إن السور التي صدرت بهذه الحروف تتضمن حديثاً عن القرآن، إما مباشرة بعد هذه الحروف، وإما في ثنايا السورة، كما هو الحال في هذه السورة‏.‏ فقد ورد فيها‏:‏ ‏{‏اتل ما أوحي إليك من الكتاب‏}‏ ‏{‏وكذلك أنزلنا إليك الكتاب‏}‏ ‏{‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك‏}‏ ‏{‏أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏}‏ مما يتمشى مع القاعدة التي اخترناها لتفسير هذه الأحرف في افتتاح السور‏.‏

وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء‏:‏

‏{‏أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا‏:‏ آمنا وهم لا يفتنون‏؟‏ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين‏}‏‏.‏

إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة‏.‏ يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان‏.‏

‏{‏أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا‏:‏ آمنا وهم لا يفتنون‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال‏.‏ فلا يكفي أن يقول الناس‏:‏ آمنا‏.‏ وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم‏.‏ كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب‏.‏

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه‏:‏

‏{‏ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين‏}‏‏.‏‏.‏

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم‏.‏ وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله‏.‏ فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه‏!‏

ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين‏.‏

إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص‏.‏ وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء‏.‏ وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة‏.‏ فهي أمانة كريمة؛ وهي أمانة ثقيلة؛ وهي من أمر الله يضطلع بها الناس؛ ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء‏.‏

ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله؛ ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه، ولا يملك النصرة لنفسه ولا المنعة؛ ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان‏.‏ وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة‏.‏ ولكنها ليست أعنف صور الفتنة‏.‏ فهناك فتن كثيرة في صور شتى، ربما كانت أمر وأدهى‏.‏

هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً‏.‏ وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم؛ وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك‏.‏ وقد أشير في هذه السورة إلى لون من هذه الفتنة مع الوالدين وهو شاق عسير‏.‏

وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة‏.‏ وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً‏.‏

وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة؛ وهو وحده موحش عريب طريد‏.‏

وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام‏.‏ فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، متحضرة في حياتها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان‏.‏ ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله‏!‏

وهنالك الفتنة الكبرى‏.‏ أكبر من هذا كله وأعنف‏.‏ فتنة النفس والشهوة‏.‏ وجاذبية الأرض، وثقلة اللحم والدم، والرغبة في المتاع والسلطان، أو في الدعة والاطمئنان‏.‏ وصعوبة الاستقامة على صراط الإيمان والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة، وفي تصورات أهل الزمان‏!‏

فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى‏.‏ وكان الابتلاء أشد وأعنف‏.‏ ولم يثبت إلا من عصم الله‏.‏ وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض، وأمانة الله في ضمير الإنسان‏.‏

وما بالله حاشا لله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وأن يؤذيهم بالفتنة‏.‏ ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة‏.‏ فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء‏.‏

والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع‏.‏ وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل‏.‏ وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً؛ وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين‏:‏ النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلَّمون الراية في النهاية‏.‏ مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار‏.‏

وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن؛ وبما بذلوا لها من الصبر على المحن؛ وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات‏.‏ والذي يبذل من دمه وأعصابه، ومن راحته واطمئنانه، ومن رغائبه ولذاته‏.‏ ثم يصبر على الأذى والحرمان؛ يشعر ولا شك بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل؛ فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام‏.‏

فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفل به وعد الله‏.‏

وما يشك مؤمن في وعد الله‏.‏ فإن أبطأ فلحكمة مقدرة، فيها الخير للإيمان وأهله‏.‏ وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله‏.‏ وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة، ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله‏.‏ وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء‏:‏

جاء في الصحيح‏:‏ «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء»‏.‏

وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين‏.‏ مهما انتفخ باطلهم وانتفش، وبدا عليه الانتصار والفلاح‏.‏ وعد الله كذلك وسنته في نهاية المطاف‏:‏

‏{‏أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا‏؟‏ ساء ما يحكمون‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره، واختل تصوره‏.‏ فإن الله الذي جعل الابتلاء سنة ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادقين والكاذبين؛ هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد‏.‏

وهذا هو الإيقاع الثاني في مطلع السورة، الذي يوازن الإيقاع الأول ويعادله‏.‏ فإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف، فخيبة المسيئين وأخذ المفسدين سنة جارية لا بد أن تجيء‏.‏

أما الإيقاع الثالث فيتمثل في تطمين الذين يرجون لقاء الله، ووصل قلوبهم به في ثقة وفي يقين‏:‏

‏{‏من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، وهو السميع العليم‏}‏‏.‏‏.‏

فلتقر القلوب الراجية في لقاء الله ولتطمئن؛ ولتنتظر ما وعدها الله إياه، انتظار الواثق المستيقن؛ ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين‏.‏

والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء الله صورة موحية‏.‏ صورة الراجي المشتاق، الموصول بما هناك‏.‏ ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح‏.‏ ويعقب عليه بالطمأنينة الندية، يدخلها في تلك القلوب‏.‏ فإن الله يسمع لها، ويعلم تطلعها‏:‏ ‏{‏وهو السميع العليم‏}‏‏.‏

والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان، ومشاق الجهاد، بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها، ولإصلاح أمرها وحياتها؛ وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد، وإنه لغني عن كل أحد‏:‏

‏{‏ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين‏}‏‏.‏‏.‏

فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق، فإنما ذلك لإصلاحهم، وتكميلهم، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة‏.‏ والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه؛ ويرفع من تصوراته وآفاقه؛ ويستعلي به على الشح بالنفس والمال، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات‏.‏ وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة، وما يعود عليها من صلاح حالها، واستقرار الحق بينها، وغلبة الخير فيها على الشر، والصلاح فيها على الفساد‏.‏

‏{‏ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه‏}‏‏.‏‏.‏

فلا يقفن أحد في وسط الطريق، وقد مضى في الجهاد شوطاً، يطلب من الله ثمن جهاده؛ ويمن عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله‏!‏ فإن الله لا يناله من جهاده شيء‏.‏ وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل‏:‏ ‏{‏إن الله لغني عن العالمين‏}‏‏.‏ وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه‏:‏

‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم، ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون‏}‏‏.‏

فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهُم عند الله، من تكفير للسيئات، وجزاء على الحسنات‏.‏ وليصبروا على تكاليف الجهاد؛ وليثبتوا على الفتنة والابتلاء؛ فالأمل المشرق والجزاء الطيب، ينتظرانهم في نهاية المطاف‏.‏ وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف‏.‏

ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة‏:‏ فتنة الأهل والأحباء‏.‏ فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط، لا إفراط فيه ولا تفريط‏:‏

‏{‏ووصينا الإنسان بوالديه حسناً‏.‏ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون‏.‏ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين‏}‏‏.‏‏.‏

إن الوالدين لأقرب الأقرباء‏.‏ وإن لهما لفضلاً، وإن لهما لرحما؛ وإن لهما لواجباً مفروضاً‏:‏ واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة‏.‏ ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله‏.‏ وهذا هو الصراط‏:‏ ‏{‏ووصينا الإنسان بوالديه حسناً‏.‏ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما‏}‏‏.‏‏.‏

إن الصلة في الله هي الصلة الأولى، والرابطة في الله هي العروة الوثقى‏.‏ فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية، لا الطاعة ولا الاتباع‏.‏ وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله‏.‏

‏{‏إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون‏}‏‏.‏‏.‏

ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين‏.‏ فإذا المؤمنون أهل ورفاق، ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر‏:‏

‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين‏}‏‏.‏‏.‏

وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة، كما هم في الحقيقة؛ وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر، وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا، فهي روابط عارضة لا أصيلة، لانقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها‏.‏

روى الترمذي عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأمه حمنة بنت أبي سفيان، وكان باراً بأمه‏.‏ فقالت‏:‏ له‏:‏ ما هذا الدين الذي أحدثت‏؟‏ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فتتعير بذلك أبد الدهر، يقال‏:‏ يا قاتل أمه‏.‏ ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال‏:‏ يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي‏.‏

فلما أيست منه أكلت وشربت‏.‏ فأنزل الله هذه الآية آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك‏.‏

وهكذا انتصر الإيمان على فتنة القرابة والرحم؛ واستبقى الإحسان والبر‏.‏ وإن المؤمن لعرضة لمثل هذه الفتنة في كل آن؛ فليكن بيان الله وفعل سعد هما راية النجاة والأمان‏.‏

ثم يرسم صورة كاملة لنموذج من النفوس في استقبال فتنة الإيذاء بالاستخذاء، ثم الادعاء العريض عند الرخاء‏.‏ يرسمها في كلمات معدودات، صورة واضحة الملامح بارزة السمات‏:‏

‏{‏ومن الناس من يقول‏:‏ آمنا بالله‏.‏ فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن‏:‏ إنا كنا معكم‏.‏ أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين‏؟‏ وليعلمن الله الذين آمنوا، وليعلمن المنافقين‏}‏‏.‏‏.‏

ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المؤونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، ‏{‏فإذا أوذي في الله‏}‏ بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى ‏{‏جعل فتنة الناس كعذاب الله‏}‏ فاستقبلها في جزع، واختلت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة؛ وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه، حتى عذاب الله؛ وقال في نفسه‏:‏ ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شيء، فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب‏؟‏ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه‏.‏

هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة‏.‏

‏{‏ولئن جاء نصر من ربك ليقولن‏:‏ إنا كنا معكم‏}‏ ‏!‏

إنا كنا معكم‏.‏‏.‏ وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير‏.‏ ولكن حين يجيء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون‏:‏ ‏{‏إنا كنا معكم‏}‏ ‏!‏

‏{‏أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، ومن إيمان أو نفاق‏؟‏ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون‏؟‏

‏{‏وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين‏}‏‏.‏‏.‏

وليكشفنهم فيعرفون؛ فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون‏.‏

ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول‏:‏

‏{‏جعل فتنة الناس كعذاب الله‏}‏‏.‏‏.‏

فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات وللطاقة البشرية حدود ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم؛ فلا يختلط في حسهم أبداً عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال‏.‏